السيد كمال الحيدري

58

فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)

مردّ ذلك إلى أنّ الإنسان مركّب من جوهرين نفس وبدن أو عقل وشهوة وغيرها من التعابير التي تشير كلّ واحدة منها إلى زاوية من زوايا وجوده ، فالروح من عالم الملكوت والبدن في عالم الملك ؛ قال تعالى : ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) « 1 » . والبعد البدني « المتمثّل بالشهوة » الذي يقوم بجذب الإنسان نحو الشهوات والميوعة والتعدّى والإسراف على النفس والمجتمع ، ومن ثمّ فالشهوة تدفع الإنسان نحو الرذيلة التي تزلّه وتذلّه ، وإن كانت الشهوة في حدّ نفسها كمالًا وليست رذيلة . أمّا البعد الروحي فهو قوّة تدفعه إلى ترك الشهوات وتعديلها والجنوح إلى الأعمال الحكيمة والأفعال الفاضلة فتسعده وتصعد به إلى ارتقاء الدرجات العالية من الكمال ، فبواسطة العقل يمكن للإنسان أن يجعل الشهوات والغرائز تحت زعامته ، فكلّما كان العقل أقوى حكماً في أفعال الإنسان وسياساته وشؤونه ، كان أقرب إلى الكمال وأبعد من الرذائل والانحطاط . ومن هنا نجد المباحث الأخلاقية تتحدّث عن صراع بين النفس والعقل أو تقول إنّ هناك صراعاً دائماً بين النفس والعقل في وجود الإنسان فتتغلب النفس تارة وينتصر العقل تارة أخرى ، فالإنسان يحمل في أغوار نفسه خصمين متناحرين لا ينتهى خصامهما ولا يهدأ تناحرهما . ففي كلّ إنسان اتجاهان ، أحدهما يدفعه إلى الرقّى والسموّ ، والآخر يحثّه نحو الإخلاد إلى الأرض والغور في المادّيات والشهوات . إذاً الإنسان واقف على مفترق طريقين إمّا طريق الكمال وإمّا طريق

--> ( 1 ) الحجر : 29 .